الآلوسي
26
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
وقرأ الحرميان ، وأبو عمرو « عاقبة » بالرفع على أنه اسم كان و « السوأى » بالنصب على الخبرية ، وقرأ الأعمش ، والحسن « السوي » بإبدال الهمزة واوا وإدغام الواو فيها ، وقرأ ابن مسعود « السوء » بالتذكير أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ علة للحكم المذكور أي لأن أو بأن كذبوا وهو في الحقيقة مبين لما أشعر به وضع الموصول موضع الضمير لأنه مجمل . وقوله تعالى : وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ عطف على كَذَّبُوا داخل معه في حكم العلية وإيراد الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على استمراره وتجدده ، وجوز أن يكون السُّواى مفعولا مطلقا لأساءوا من غير لفظه أو مفعولا به له لأن أساءوا بمعنى اقترفوا واكتسبوا ، والسوأى بمعنى الخطيئة لأنه صفة أو مصدره مؤول بها وكونه صفة مصدر أساءوا من لفظه أي الإساءة السوأى بعيد لفظا مستدرك معنى و أَنْ كَذَّبُوا اسم كان . وكون التكذيب عاقبتهم مع أنهم لم يخلوا عنه إما باعتبار استمراره أو باعتبار أنه عبارة عن الطبع ، وجوز أن يكون أن كذبوا بدلا من السُّواى الواقع اسما لكان أو عطف بيان لها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي أن كذبوا ، وأن تكون أَنْ تفسيرية بمعنى أي والمفسر إما أساءوا أو السُّواى فإن الإساءة تكون قولية كما تكون فعلية فإذن قبلها مضمن معنى القول دون حروفه ويظهر ذلك التضمن بالتفسير ، وإذا جاز وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ ص : 6 ] فهذا أجوز فليس هذا الوجه متكلفا خلافا لأبي حيان . وجوز في قراءة الحرميين ، وأبي عمرو وأن تكون السُّواى صلة الفعل و أَنْ كَذَّبُوا تابعا له أو خبر مبتدأ محذوف أو على تقدير حرف التعليل وخبر كان محذوفا تقديره وخيمة ونحوه وتعقب ذلك في البحر فقال : هو فهم أعجمي لأن الكلام مستقل في غاية الحسن بلا حذف وقد تكلف له محذوف لا يدل عليه دليل ، وأصحابنا لا يجيزون حذف خبر كان اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي ينشئهم . وقرأ عبد اللّه وطلحة « يبدئ » بضم الياء وكسر الدال ، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر فما بالعهد من قدم . ثُمَّ يُعِيدُهُ بالبعث ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للجزاء ، وتقديم المعمول للتخصيص ، وكان الظاهر يرجعون بياء الغيبة إلا أنه عدل عنه إلى خطاب المشركين لمكافحتهم بالوعيد ومواجهتهم بالتهديد وإيهام إن ذلك مخصوص بهم فهو التفات للمبالغة في الوعيد والترهيب . وقرأ أبو عمرو ، وروح « يرجعون » بياء الغيبة كما هو الظاهر وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ التي هي وقت إعادة الخلق ومرجعهم إليه عزّ وجلّ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ أي يسكتون وتنقطع حجتهم ، قال الراغب : الإبلاس الحزن المعترض من شدة اليأس ومنه اشتق إبليس فيما قيل ، ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قبل أبلس فلان إذا سكت وانقطعت حجته وأبلست الناقة فهي مبلاس إذا لم ترغ من شدة الضبعة « 1 » وقال ابن ثابت : يقال أبلس الرجل إذا يئس من كل خير ، وفي الحديث « وأنا مبشرهم إذا أبلسوا » والمراد بالمجرمين على ما أفاده الطيبي أولئك الذين أساءوا والسوأى لكنه وضع الظاهر موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بهذا الوصف الشنيع والإشعار بعلة الحكم . و قرأ علي كرم اللّه تعالى وجهه ، والسلمي « يبلس » بفتح اللام وخرج على أن الفعل من أبلسه إذا أسكته ، وظاهره أنه يكون متعديا وقد أنكره أبو البقاء ، والسمين ، وغيرهما حتى تكلفوا وقالوا : أصله يبلس إبلاس المجرمين على إقامة المصدر مقام الفاعل ثم حذفه وإقامة المضاف إليه مقامه . وتعقبه الخفاجي عليه الرحمة فقال : لا يخفى عدم صحته لأن إبلاس المجرمين مصدر مضاف لفاعله وفاعله هو فاعل الفعل بعينه فكيف يكون نائب الفاعل فتأمل . وأنت تعلم أنه متى صحت القراءة لا تسمع دعوى عدم سماع استعمال أبلس متعديا .
--> ( 1 ) قوله « الضبعة » هي شدة شهوة الناقة للفحل ا ه منه .